وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن نُّعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَبًا
وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن نُّعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَبًا
يقرّون بعجزهم المطلق أمام قدرة الله: {وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن نُّعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَبًا}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثانية عشرة من سورة الجن، أن المعنى: وأنا أيقنّا أن الله قادر علينا، لا نفوته إن أراد بنا أمراً ونحن في الأرض، ولا نعجزه هرباً منها إلى السماء؛ فأينما كنا فنحن في قبضته. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن هذا إخبار منهم عن علمهم بأنهم تحت قهر الله وسلطانه، وأن هذا العلم هو الذي حملهم على المبادرة بالإيمان لما سمعوا الهدى. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن "الظن" هنا بمعنى اليقين، وهو استعمال معروف في العربية؛ لأن سياق الإقرار لا يحتمل التردد. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير هذه الآية، إلى أن ذكر الأرض ثم ذكر الهرب استيعاب للمكان والحركة معاً؛ فلا مفر بالإقامة ولا بالانتقال.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية في موقع دقيق من مقالتهم؛ فبعد أن ذكروا تفرقهم في الآية السابقة، ذكروا القدر المشترك بينهم جميعاً وهو العلم بعجزهم عن الفرار من الله. وفي هذا الترتيب لطيفة: اختلفوا في الطرائق واتفقوا في العجز؛ فالعجز حقيقة لا يختلف فيها صالح ولا فاسد. ثم إن هذه الآية مقدمة ضرورية لما بعدها؛ إذ إن من علم أنه لا مفرّ له من الله كان أسرع إلى الإيمان حين يسمع الهدى؛ ولذلك جاءت الآية الثالثة عشرة مباشرة: {وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَىٰ آمَنَّا بِهِ}. فالنظم يقيم بناءً محكماً: علم بالعجز، فسماع للهدى، فإيمان.