وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا
وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا
ينتقل كلامهم من ذكر ظنونهم القديمة إلى الحدث الجديد الذي أخرجهم للبحث: {وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثامنة من سورة الجن، أن {لَمَسْنَا} بمعنى طلبنا والتمسنا؛ والمعنى: طلبنا خبر السماء كما كنا نطلبه، فوجدناها قد ملئت حرساً من الملائكة شديداً وشهباً محرقة. وروى في {حَرَسًا شَدِيدًا} عن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره أنهم الملائكة. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن هذا مما حدث عند بعثة النبي ﷺ؛ فقد شُدّد الحرس ومُنعت الشياطين من مقاعدها التي كانت تسترق منها السمع؛ ويشهد له حديث ابن عباس رضي الله عنهما في "الصحيحين" المتقدم في مطلع السورة، وفيه: وقد حِيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأُرسلت عليهم الشهب. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن الحرس اسم جمع لا واحد له من لفظه، وواحده حارس؛ ولذلك وُصف بالمفرد {شَدِيدًا} حملاً على اللفظ. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير هذه الآية، إلى أن التعبير بـ{مُلِئَتْ} يفيد الاستيعاب التام، فلم يبق فيها موضع خالٍ يمكن النفاذ منه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هنا يبدأ القسم الثاني من مقالة الجن؛ فالآيات قبلها كانت مراجعة لماضيهم من الظنون، وهذه تنتقل إلى ما استجدّ من الحوادث. وقد جاء ترتيب المقطع محكماً: تغيّر في السماء أولاً (الآية 8)، فبيان لما كان قبل التغير وما صار إليه ثانياً (الآية 9)، فتوقف عن الجزم بالحكمة ثالثاً (الآية 10). فالنظم يعرض الظاهرة ثم يفسرها ثم يقف عند حدود العلم. وهذه الآية أيضاً تربط بين مطلع السورة والحادثة نفسها؛ إذ إن انقطاع خبر السماء هو الذي دفعهم للخروج فسمعوا القرآن؛ فبينها وبين الآية الأولى رابطة السبب بالنتيجة.