وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا
وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا
يرتقي كلامهم من الإيمان المجمل إلى تقرير التنزيه المفصل: {وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثالثة من سورة الجن، أن أهل التأويل اختلفوا في معنى {جَدُّ رَبِّنَا} على أقوال متقاربة: فروى عن ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وقتادة: أي عظمة ربنا وجلاله؛ وعن الحسن: غناه؛ وعن آخرين: ملكه وسلطانه؛ ورجّح أن المعنى الجامع هو العظمة. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن الجدّ هو العظمة والجلال، وأن نفي الصاحبة والولد فرع عن إثبات هذه العظمة؛ إذ اتخاذ الصاحبة والولد من لوازم النقص والحاجة. ويشهد لهذا الاستعمال ما جاء في دعاء الاستفتاح المروي في كتب السنن: «سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك». وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن في همزة {أَنَّهُ} في هذا الموضع وما بعده من المواضع وجهين في القراءة: الفتح على أنه معطوف على {أَنَّهُ اسْتَمَعَ}، فيكون مما أُوحي إلى النبي ﷺ؛ والكسر على الاستئناف وحكاية كلام الجن عطفاً على {إِنَّا سَمِعْنَا}؛ والمعنيان صحيحان لا تعارض بينهما.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): انتقل كلامهم من إعلان الإيمان في الآية السابقة إلى تفصيل ما آمنوا به؛ فبدأوا بأخصّ ما يتعلق بذات الله من التنزيه. وهذا ترتيب بديع: توحيد في العبادة أولاً ({وَلَن نُّشْرِكَ}), فتنزيه في الذات ثانياً ({مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا}), فتبرؤ من مصدر الضلال ثالثاً في الآية التالية ({سَفِيهُنَا}). ثم إن هذه الآية تفتتح السلسلة الطويلة من المعطوفات التي تحكي مقالتهم، والتي تمتد إلى الآية الخامسة عشرة؛ فهي أول حلقة في سلك واحد، تكرر فيه {وَأَنَّهُ} و{وَأَنَّا} أربع عشرة مرة، فصار التركيب نفسه علامة أسلوبية تميز السورة.