إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا
إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا
يأتي الاستثناء مضبوطاً بأدق القيود: {إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية السابعة والعشرين من سورة الجن، أن المعنى: إلا رسولاً ارتضاه الله لرسالته، فإنه يطلعه على ما شاء من غيبه، ويجعل من بين يدي ذلك الوحي ومن خلفه حرساً من الملائكة يحفظونه حتى يبلّغه الرسول إلى الناس. وروى في تفسير {رَصَدًا} عن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره: أنهم الملائكة الحفظة الذين يحرسون الوحي من أن تسترقه الشياطين. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن الله يحرس الوحي بملائكة يمنعون الشياطين من التسمع؛ وأن هذا يوافق ما تقدم في السورة من امتلاء السماء حرساً شديداً وشهباً. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن هذا نص في أن الأنبياء يُطلعهم الله على بعض غيبه، وأن غيرهم لا يدخل في هذا الاستثناء.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية مخصصة لعموم النفي في الآية السابقة؛ فبعد أن نُفي الإظهار على الغيب عن كل أحد، استُثني الرسول المرتضى. وقد قُيّد الاستثناء بثلاثة قيود متتابعة: أن يكون مرتضى، وأن يكون رسولاً، وأن يكون محروساً من بين يديه ومن خلفه؛ فلم يُترك الاستثناء مفتوحاً. ثم جاءت الآية الأخيرة لتبين حكمة هذه الحراسة: {لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ}. ولاحظ ارتباط هذه الآية بمطلع السورة؛ فقد قال الجن: {وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا}، وقالوا: {يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا}؛ فتكرر لفظ الرصد في المطلع والخاتمة؛ فما شاهده الجن من خارج هو ما يقرره الله هنا من داخل؛ فتصادقت الشهادتان.