وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا
وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا
يكشفون عن صورة من صور الفساد كانت جارية بين الثقلين: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية السادسة من سورة الجن، أن هذا كان من صنيع أهل الجاهلية؛ كان الرجل منهم إذا نزل بواد في سفره وخاف على نفسه قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه؛ فيبيت في جوار الجن. وروى في {رَهَقًا} أقوالاً: أنه الإثم، وأنه الطغيان، وأنه الخوف والذلة؛ ونقل عن قتادة: أي ازدادوا بذلك إثماً وطغياناً. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن الجن لما رأت الإنس تعوذ بها ازدادت طغياناً وتكبراً، وأن الإنس ازدادوا بذلك ذلة وخوفاً؛ فالضمير في {فَزَادُوهُمْ} يحتمل الأمرين. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن هذه الاستعاذة شرك؛ لأنها التجاء إلى المخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الخالق. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير هذه الآية، إلى أن ذكر هذه الحادثة في مقالة الجن فيه فضح لما كان يعتقده مشركو العرب، وشهادة عليهم من الطرف الآخر في المعاملة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): اتصلت هذه الآية بسياق المراجعات؛ فبعد أن ذكروا ما كان من سفيههم وما كان من ظنهم، ذكروا ما كان بين الثقلين من هذه المعاملة الفاسدة. وفي ذكرها هنا مقصد بالغ: فهي شهادة على مشركي العرب من الطرف الذي كانوا يستعيذون به؛ فالجن أنفسهم يعلنون أن تلك الاستعاذة لم تنفع بل ضرّت. ثم إن هذه الآية تمهد لما سيأتي في الآية الثامنة عشرة من التقرير الحاسم: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا}؛ فبين الموضعين رابطة الداء والدواء: عُرضت الصورة الفاسدة أولاً، ثم جاء الحكم القاطع ثانياً.