وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا
وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا
يقفون عند حدود علمهم فلا يجزمون بتأويل ما رأوا: {وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية العاشرة من سورة الجن، أن المعنى: وأنا لا ندري ما أراد الله بهذا الحرس الشديد الذي حُرست به السماء؛ أشرٌّ أُريد بأهل الأرض فيُنزل بهم العذاب، أم أراد بهم ربهم خيراً ورشداً ببعثة نبي وإنزال كتاب. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن هذا من أدبهم في الخطاب؛ إذ لم ينسبوا الشر إلى الله، ونسبوا الخير إليه صريحاً؛ وأن هذا نظير ما جاء في السنة من أن الشر لا يُنسب إليه سبحانه. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن بناء الفعل للمجهول في {أُرِيدَ} وبناءه للمعلوم في {أَرَادَ} مقصود؛ لأن الأدب في المقام يقتضي ألا يُصرَّح بإسناد الشر. وأشار السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذه الآيات، إلى أن هذا الوقوف منهم دليل على عقل وإنصاف؛ إذ لم يقطعوا فيما لا علم لهم به.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية خاتمة لحديثهم عن حادثة السماء؛ فبعد أن وصفوا ما رأوه في الآية الثامنة وفسّروا الفارق في التاسعة، وقفوا هنا عند حدّ العلم فلم يتجاوزوه إلى التأويل. وهذا الترتيب في غاية الإحكام: مشاهدة، فمقارنة، فتوقف. ثم إن هذه الآية تنقل السياق من الحديث عن السماء إلى الحديث عن أنفسهم؛ إذ تبدأ الآية الحادية عشرة بذكر أصنافهم: {وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ}. فالنظر انتقل من الأفق إلى الذات. ولاحظ أن جوابهم عن سؤالهم هذا جاء ضمناً في الآية الثالثة عشرة: {وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَىٰ آمَنَّا بِهِ}؛ فقد تبين لهم بعدُ أن المراد كان الرشد لا الشر.