قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا
قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا
يُؤمر النبي ﷺ بإعلان جهله بوقت الموعود: {قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الخامسة والعشرين من سورة الجن، أن المعنى: قل لهم: ما أدري أقريب ما توعدون من العذاب، أم يجعل له ربي غاية بعيدة وأجلاً مضروباً؛ فعلم ذلك عند الله لا عندي. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن هذا مما استأثر الله بعلمه، وأن النبي ﷺ أُمر أن يفوّض علمه إلى ربه؛ وأن هذا نظير قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي}. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن "الأمد" الغاية والمدة؛ وأن الفرق بينه وبين الزمان أن الأمد يُنظر فيه إلى الغاية والنهاية، والزمان يُنظر فيه إلى الامتداد. وأشار السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذه الآيات، إلى أن هذا الإعلان مقدمة ضرورية لما بعده من تقرير اختصاص الله بعلم الغيب.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه رابعة التقريرات المصدَّرة بـ{قُلْ}؛ وقد جاءت بعد ذكر ما يُوعدون في الآية السابقة؛ فلما ذُكر الوعد أُتبع بنفي العلم بوقته؛ لئلا يُظنّ أن النبي ﷺ يعلم الغيب. ثم إن هذه الآية مقدمة مباشرة للآيتين بعدها؛ فقوله {عَالِمُ الْغَيْبِ} في الآية السادسة والعشرين تعليل لهذا النفي؛ أي إنما لم أدرِ لأن العلم بذلك خاص بالله. فالنظم يسير: نفي العلم عن النبي ﷺ، فبيان من له العلم، فضبط الاستثناء، فبيان الحكمة. وبهذا تُختم السورة على أدق تقرير في باب الغيب في القرآن.