قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا
قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا
يُؤمر النبي ﷺ بإعلان أول تقريراته الأربع: {قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية العشرين من سورة الجن، أن المعنى: قل يا محمد لهؤلاء المتألبين عليك: إنما أعبد ربي وحده وأدعوه، ولا أجعل معه شريكاً في العبادة؛ فما الذي تنكرون عليّ من ذلك؟ ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن النبي ﷺ أُمر أن يخبرهم بأن دعوته إنما هي عبادة لله وحده، وهو أمر لا يُستنكر ولا يُستغرب حتى يتألبوا عليه هذا التألب. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن {إِنَّمَا} تفيد الحصر؛ فحصر دعاءه في ربه، ونفى الشرك عنه؛ فجمع بين النفي والإثبات كما في كلمة التوحيد. وأشار السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذه الآيات، إلى أن هذا جواب مفحم؛ إذ يعرض عليهم حقيقة دعوته مجردة، فيتبين لكل منصف أنه لم يأت بمنكر يوجب هذا الإنكار.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية جواباً عملياً لما وقع في الآية السابقة من تألب القوم؛ فبعد أن صُوّر ازدحامهم عليه، أُمر أن يبيّن لهم حقيقة ما يفعل. وهي أيضاً تطبيق مباشر لما تقرر في الآية الثامنة عشرة: {فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا}؛ فالنبي ﷺ أول ممتثل لهذا النهي ومعلنٍ لامتثاله. ثم إن هذه الآية تفتتح سلسلة من أربع تقريرات متتابعة مصدَّرة بـ{قُلْ} تمتد إلى الآية الثالثة والعشرين؛ وهي تتدرج من الإخبار عن عبادته، إلى نفي القدرة عن نفسه، إلى إعلان افتقاره إلى ربه، إلى حصر وظيفته في البلاغ. فالنظم يهدم كل دعوى قد تُنسب إليه، درجة بعد درجة.