وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ ۖ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا
وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ ۖ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا
يفصّلون ما كانوا عليه وما صاروا إليه: {وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ ۖ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية التاسعة من سورة الجن، أن المعنى: كنا نقعد من السماء مواضع نستمع منها ما يحدث فيها من أمر الله، فمن يطلب الاستماع منا اليوم يجد شهاباً قد أُعدّ له يرصده ويرميه. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن هذا بيان لحال الشياطين قبل البعثة وبعدها؛ وأنهم كانوا يسترقون السمع فيلقون ما سمعوا إلى الكهنة، فلما بُعث النبي ﷺ حُرست السماء ومُنعوا. ويشهد لأصل هذا الباب حديث أبي هريرة رضي الله عنه المخرَّج في "صحيح البخاري"، وفيه أن الشياطين يسترق السامع منهم فيتخطفه الشهاب، وأنه يلقي الكلمة إلى وليه فيكذب معها مئة كذبة. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن {رَّصَدًا} بمعنى راصداً مترقباً، وأنه يجوز أن يكون مصدراً وُصف به، ويجوز أن يكون اسم جمع للراصدين.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية تفصيلاً للمجمل في الآية قبلها؛ فتلك ذكرت ما وجدوه، وهذه تبين وجه المفارقة بين حالهم القديم وحالهم الجديد. وقد بُني النظم داخل الآية على تقابل زمني حاد: {كُنَّا نَقْعُدُ} في الماضي، و{الْآنَ} في الحاضر؛ فبين اللفظين انقلاب كامل في الحال. وموقع الظرف {الْآنَ} في وسط الجملة من أدق ما في الآية؛ إذ يشير إلى لحظة فاصلة في تاريخ الوحي والكون معاً. ثم تأتي الآية بعدها لتعبّر عن حيرتهم في تفسير هذا التحول: {وَأَنَّا لَا نَدْرِي}؛ فالنظم يسير: وصف الحال الجديد، فبيان الفارق، فالتوقف عن تأويله.