لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا
لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا
تُبيَّن حكمة التوسعة ثم يُذكر مآل المعرض: {لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية السابعة عشرة من سورة الجن، أن المعنى: لنختبرهم في ذلك الماء الغدق، فننظر كيف شكرهم فيه وأداؤهم لحق الله؛ ومن يُعرض عن القرآن وعن طاعة ربه يدخله عذاباً شاقاً شديداً. وروى في تفسير {صَعَدًا} عن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره أقوالاً: أنه العذاب الشاق الذي يعلو المعذَّب ويغلبه، وأنه مشتق من الصعود لما فيه من المشقة. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن المراد بـ{ذِكْرِ رَبِّهِ} القرآن والموعظة؛ وأن الإعراض عنه سبب للعذاب الشاق. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن {يَسْلُكْهُ} بمعنى يُدخله؛ يقال: سلكه في كذا أي أدخله فيه؛ ومنه قوله تعالى: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ}. وأشار السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذه الآيات، إلى أن هذا الوعيد عام في كل معرض، وأن الإعراض قد يكون بالكلية وقد يكون في بعض الأحوال، فيُعاقَب كل بحسب إعراضه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء صدر الآية علة لما في الآية السابقة؛ فضبطت التوسعة بحكمتها. ثم جاء عجزها ليذكر القسم المقابل: المعرض ومآله. فاكتملت في آيتين صورة السنة الإلهية: استقامة فسعة فابتلاء، أو إعراض فعذاب شاق. ولاحظ التقابل الدقيق بين {مَّاءً غَدَقًا} و{عَذَابًا صَعَدًا}: ماء هنيء سائغ يسير في مقابل عذاب شاق صاعد؛ فالتقابل في الوصف كما هو في الحكم. ثم إن هذه الآية تمهد لما بعدها؛ إذ إن الإعراض عن ذكر الرب يقابله الإقبال عليه في المساجد؛ فجاءت الآية الثامنة عشرة: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ}؛ فبعد بيان عاقبة المعرض ذُكر موضع المقبلين وشرط صحة إقبالهم.