يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ ۖ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا
يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ ۖ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا
يستمر نقل كلامهم فيصفون أثر القرآن ثم يعلنون موقفهم: {يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ ۖ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثانية من سورة الجن، أن المعنى: يدل على سبيل الحق والصواب، فصدّقنا به وأيقنّا أنه من عند الله، ولن نجعل مع ربنا شريكاً في العبادة أبداً. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن هذا من كمال إيمانهم؛ إذ لم يكتفوا بالتصديق حتى قرنوه بالتبرؤ من الشرك؛ فجمعوا بين النفي والإثبات اللذين هما ركنا التوحيد. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن "الرشد" ضد الغي، وهو إصابة الحق في القول والعمل؛ وأن تنكيره في مواضع من السورة وتعريفه هنا لأنه المعهود الذي دلّ عليه القرآن. وأشار السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير أوائل سورة الجن، إلى أن وصفهم القرآن بأنه يهدي إلى الرشد وصف جامع؛ إذ الرشد يشمل رشد العلم ورشد العمل، ورشد الدنيا ورشد الآخرة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية تتمة لمقالتهم في الآية السابقة؛ فتلك وصفت انطباعهم الأول ({قُرْآنًا عَجَبًا})، وهذه ذكرت وجه العجب ({يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ}) ثم النتيجة المترتبة عليه ({فَآمَنَّا}). فالنظم يسير من الانفعال إلى التعليل إلى القرار. وفي هذا الترتيب حجة ضمنية على قريش؛ إذ سمعوا القرآن سنين فلم ينتقلوا من السماع إلى الإيمان، وهؤلاء قطعوا المسافة كلها في مجلس واحد. ثم إن قولهم {وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا} يفتتح لازمة {أَحَدًا} التي ستتردد في مفاصل السورة كلها؛ فهذه أول حلقاتها.