يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ
يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ
تفتتح السورة بنداء رفيق يخاطب النبي ﷺ بالحال التي هو عليها ساعة نزول الوحي: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الأولى من سورة المزمل، أن المعنى: يا أيها المتزمل بثيابه، أي المتلفف بها؛ وروى عن قتادة وإبراهيم النخعي والضحاك أن الأصل "المتزمل" فأُدغمت التاء في الزاي، وأن التزمل التلفف في الثوب. ونقل عن عكرمة قولاً آخر: أن المعنى: زُمّلت هذا الأمر فقم به، أي حُمّلت أعباء النبوة فانهض لها. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير مطلع سورة المزمل، على أن النبي ﷺ كان متزملاً في ثيابه من هول ما رأى من جبريل عليه السلام، وأن هذا الخطاب وقع في أول العهد بالوحي. وأصل هذه الحال ثابت في حديث عائشة رضي الله عنها في بدء الوحي عند البخاري في "صحيحه"، كتاب بدء الوحي، ومسلم في "صحيحه"، كتاب الإيمان: أن النبي ﷺ رجع من غار حراء يرجف فؤاده فقال: "زمّلوني زمّلوني"، فزمّلوه حتى ذهب عنه الروع. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير هذه الآية، أن الخطاب وإن ورد بلفظ الوصف فهو نداء تشريف وتلطف؛ إذ ناداه بحاله الراهنة ولم يناده باسمه. وبيّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الأولى من سورة المزمل، أن في النداء بهذا الوصف تمهيداً لطيفاً للأمر الشاق الذي سيأتي بعده؛ فكأن المقام يقول: إن الحال التي أنت عليها ليست حال من يُنتظر منه حمل هذا العبء.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء هذا النداء مفتاحاً للسورة ومدخلاً إلى أمرها الأول: {قُمِ اللَّيْلَ}؛ فالمناسبة بين النداء والأمر مناسبة تضاد مقصود: نُودي وهو ملتف ساكن، وأُمر بالقيام والحركة؛ فالجملة الأولى تصور حالاً، والثانية تنقله إلى حال أخرى. ويتصل المطلع كذلك بخاتمة سورة الجن التي قبلها؛ فقد ورد فيها ذكر قيامه ﷺ داعياً ربه: {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ}، فجاء الأمر هنا بذلك القيام صريحاً منظماً موقّتاً. كما أن هذا النداء يوازي نداء سورة المدثر بعدها: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ}؛ فالأولى إعداد للنفس، والثانية إخراج إلى الناس.