قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا
قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا
يرتقي التبرؤ من دعوى القدرة إلى إعلان الافتقار في حق نفسه: {قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثانية والعشرين من سورة الجن، أن المعنى: قل لهم: إني لا يمنعني من الله أحد إن أراد بي سوءاً، ولن أجد من دونه ملجأ أميل إليه وأعتصم به. وروى في تفسير {مُلْتَحَدًا} عن ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة: أي ملجأ ومعدلاً. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن النبي ﷺ أخبر عن نفسه بأنه لا يستطيع أحد أن يمنعه من الله؛ فإذا كان هذا حاله وهو أكرم الخلق على الله، فغيره أولى بذلك؛ وفي هذا تحقيق لمعنى العبودية. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن "الملتحد" مفتعَل من اللحد وهو الميل؛ ومنه اللحد في القبر لأنه مائل عن وسطه؛ فالملتحد الموضع الذي يُمال إليه ويُعدل نحوه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه ثالثة التقريرات المصدَّرة بـ{قُلْ}؛ وقد تدرجت تدرجاً بديعاً: أعلن أولاً أنه يعبد ربه وحده، ثم أنه لا يملك لهم شيئاً، ثم هنا أنه لا يملك لنفسه شيئاً. فبعد نفي القدرة على النفع والضر في حق غيره، جاء نفيها في حق نفسه؛ وهذا أبلغ في التبرؤ وأقطع لكل دعوى. ثم يأتي الاستثناء في الآية بعدها ليبيّن ما الذي يملكه: {إِلَّا بَلَاغًا مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ}؛ فالنظم ينفي كل شيء أولاً ثم يثبت الشيء الوحيد الثابت؛ وهذا أسلوب الحصر بالنفي والاستثناء، وهو من أقوى أساليب القصر في العربية.