عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا
عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا
يأتي التقرير الحاسم في اختصاص الله بعلم الغيب: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية السادسة والعشرين من سورة الجن، أن المعنى: الله عالم ما غاب عن أبصار خلقه فلم يشاهدوه، فلا يُطلع على غيبه أحداً من خلقه إلا من ارتضاه من رسول. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن الله تعالى استأثر بعلم الغيب، وأنه لا يطلع عليه أحداً من خلقه إلا ما شاء أن يطلع عليه رسله؛ وأن في هذه الآية رداً على من يدّعي علم الغيب من الكهنة والمنجمين وغيرهم. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن هذا نص في إبطال دعوى من ادّعى علم المغيبات، وأن ما يقع للأولياء من الفراسة والرؤيا الصادقة ليس من باب علم الغيب المستقل، بل من باب ما يُلقيه الله في القلب من غير إحاطة ولا استقلال.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية تعليلاً لما قبلها؛ فلما نفى النبي ﷺ عن نفسه علم وقت الموعود، عُلّل ذلك بأن الغيب اختصاص إلهي. وموقع هذه الآية في خاتمة السورة في غاية الإحكام؛ فالسورة افتُتحت بحديث عن قوم كانوا يسترقون خبر السماء، وتُختم بتقرير أن الغيب لا يُنال إلا بإذن من الله وبحراسة محكمة؛ فبين المطلع والخاتمة دائرة كاملة. ثم إن هذه الآية موصولة بما بعدها وصل العام بمخصصه؛ فالآية السابعة والعشرون تذكر الاستثناء وقيوده. فالنظم يقرر الأصل ثم يضبط الاستثناء ثم يبين حكمته في الآية الأخيرة.