الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ ۗ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ
الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ ۗ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ
جاء ذمّ البخل عقب ذمّ الاختيال والفخر. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الرابعة والعشرين من سورة الحديد، أن {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ} بدلٌ من {كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} أو نعت له؛ فالمختال الفخور هو الذي يبخل بما أُوتي ويأمر الناس بالبخل. وأن معنى {وَمَن يَتَوَلَّ} أي من يُعرض عن أمر الله وطاعته وينصرف عن الإنفاق، {فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} أي الغني عن خلقه وعن نفقاتهم، المحمود في ذاته وأفعاله. وقال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، إن هذا تهديد لمن أعرض عن أوامر الله، وأن الله غني عن العالمين لا تنفعه طاعتهم ولا تضره معصيتهم. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير هذه الآية، اختلاف أهل التأويل في المراد بالبخل هنا: أهو منع الزكاة الواجبة، أم منع النفقة في سبيل الله، أم كتمان صفة النبي ﷺ من أهل الكتاب؛ والأول والثاني أظهر بدلالة سياق السورة كلها.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية تُغلق المقطع الرابع من السورة إغلاقاً محكماً؛ فقد بدأ المقطع بعتاب القلوب (16)، ومرّ بإحياء الأرض (17)، وبمراتب المتصدقين والصدّيقين (18 - 19)، وبحقيقة الدنيا (20)، وبالمسابقة (21)، وبالقدر (22 - 23)، وانتهى إلى ذمّ البخل. وهذا الترتيب يكشف عن سلسلة العلل: قسوة القلب تُنتج تعظيم الدنيا، وتعظيم الدنيا يُنتج الفرح بها، والفرح بها يُنتج الاختيال، والاختيال يُنتج البخل والدعوة إليه. ثم يبدأ المقطع الخامس بـ{لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ}؛ فينتقل من علاج الفرد إلى بناء الأمة. ويتصل قوله {فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ} بقوله في أول السورة: {وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}؛ فكلاهما يقطع توهّم أن الله محتاج إلى نفقة العبد.