هذه الآية أصلٌ في باب الابتداع في الدين. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية السابعة والعشرين من سورة الحديد، أن {قَفَّيْنَا} أي أتبعنا بعضهم بعضاً على آثارهم، وأن الرأفة والرحمة اللتين جُعلتا في قلوب أتباع عيسى وصفٌ حقيقي لهم في أول أمرهم. وأما {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا} فذكر أهل التأويل أنها ما التزموه من ترك النساء والتخلي في الصوامع والانقطاع عن الدنيا مما لم يكتبه الله عليهم. وفي معنى {مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ} قولان مشهوران عند المفسرين: الأول أن الاستثناء منقطع، والمعنى: ما فرضناها عليهم لكنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله؛ والثاني أن المعنى: ما كتبنا عليهم إلا ابتغاء رضواننا، فابتدعوا هم هذه الطريقة زيادةً على ما كُتب. وقال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، إنهم ذُمّوا من وجهين: ابتداعهم في دين الله ما لم يأمر به، وعدم قيامهم بما التزموه. وأخرج البخاري في كتاب النكاح في باب الترغيب في النكاح من حديث أنس رضي الله عنه قصة الرهط الثلاثة الذين قال أحدهم: أما أنا فأصوم ولا أفطر، وقال آخر: أما أنا فأقوم فلا أنام، وقال آخر: أما أنا فلا أتزوج النساء؛ فقال النبي ﷺ: لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني.