مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ
مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ
بعد الأمر والعتاب جاء الترغيب في أرقّ صوره. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الحادية عشرة من سورة الحديد، أن معنى {يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا}: ينفق ماله في سبيل الله محتسباً طيبة به نفسه؛ وأن تسمية النفقة قرضاً على وجه التقريب للأفهام والترغيب. ونقل عن جماعة من السلف أن "القرض الحسن" هو ما كان من حلال، وعن طيب نفس، ولا يُتبعه منٌّ ولا أذى، وابتغاء وجه الله وحده. وقال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، إن الله يحضّ عباده على الإنفاق في سبيله ويسمّي ذلك قرضاً له تلطفاً بهم وتوثيقاً لرجائهم. وذكر المفسرون في مناسبة نزولها ما رُوي من قصة رجل من الأنصار بذل حائطاً له حين سمع هذه الآية؛ وهو مما ذكره المفسرون في هذا الباب دون أن يتوقف عليه فهم الآية، والمعنى قائم بعمومه. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير هذه الآية، إلى أن صيغة الاستفهام {مَّن ذَا الَّذِي} خرجت إلى معنى العرض والتشويق؛ فهي كالمناداة على سلعة رابحة يُدعى إليها الراغبون.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية خاتمة مقطع الاستنهاض المالي (7 - 11)، وقد رُتّبت أساليبه ترتيباً نفسياً بديعاً: أمرٌ، فعتابٌ على الأصل، فحجةٌ ببيان قيام البينة، فعتابٌ على البذل مع بيان التفاضل، فترغيبٌ بالمضاعفة. فلما استوفى الإقناع بالحجة انتقل إلى استمالة القلب بالعرض اللطيف. ثم انتقل النظم مباشرة إلى ثمرة هذا كله يوم القيامة: {يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم}؛ فكأن الآية الحادية عشرة عقدٌ، والآية الثانية عشرة أداءٌ للثمن. ويتصل هذا أيضاً بالآية الثامنة عشرة: {وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ}؛ فما عُرض هنا سؤالاً تقرر هناك خبراً بوقوعه.