أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ
أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ
هذه من أرقّ آيات العتاب في القرآن وأشدّها أثراً في القلوب. أخرج مسلم في كتاب التفسير عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ما كان بين إسلامنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ} إلا أربع سنين. وذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية السادسة عشرة من سورة الحديد، أن {أَلَمْ يَأْنِ} بمعنى: ألم يحن ويقرب الوقت؛ وأن أهل التأويل ذكروا أن الآية نزلت عتاباً لطائفة من المؤمنين استبطأهم الله في الخشوع، وقيل نزلت في شأن من كان يلجأ إلى الفتور والمزاح. وذكر ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: أما آن للمؤمنين أن تلين قلوبهم لذكر الله وسماع القرآن، وأن يتعظوا بالمواعظ. وبيّن القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير هذه الآية، أن التحذير من مشابهة أهل الكتاب في قسوة القلب سببه أنهم طال عليهم زمان الأنبياء فبدّلوا وحرّفوا وقست قلوبهم. وأشار السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذه الآية، إلى أن في العتاب لطفاً بالغاً؛ إذ لم يُخرجهم من وصف الإيمان وهو يعاتبهم، بل ناداهم بأشرف أوصافهم: {لِلَّذِينَ آمَنُوا}.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): موقع الآية دقيق في نظم السورة؛ فقد سبقها مشهد المنافقين وحرمانهم النور وقطع الفدية عنهم، فجاء هذا العتاب للمؤمنين عقبه مباشرة كأنه يقول: هذا مصير من بدأ طريقه بفتنة النفس، فبادروا أنتم بتليين القلوب قبل أن يطول عليكم الأمد. ثم عُقّب في الآية التالية بالبشارة: {اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا}؛ فبين العتاب واليأس فرقٌ، والقرآن يعاتب ثم يفتح باب الرجاء. ثم انتقل إلى ذكر المصّدقين والصدّيقين والشهداء (18 - 19)، وهم نماذج القلوب الحيّة، فاكتمل النسق: عتابٌ، فرجاءٌ، فنموذجٌ يُحتذى.