يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
هذا خطابٌ ختامي جامع. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثامنة والعشرين من سورة الحديد، أن أهل التأويل اختلفوا في المخاطبين بها على قولين: أحدهما أنهم مؤمنو أهل الكتاب الذين آمنوا بعيسى ثم أدركوا محمداً ﷺ فأُمروا بالإيمان به فيؤتون أجرين؛ والثاني أنهم مؤمنو هذه الأمة أُمروا بتقوى الله وتحقيق الإيمان بالرسول. وذكر ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، القولين، وذكر أن ما بعدها في الآية التاسعة والعشرين من ذكر أهل الكتاب يرجّح القول الأول أو يجعله أظهر. و{كِفْلَيْنِ} تثنية "كِفل"، وهو النصيب والحظ. وقد أخرج البخاري في كتاب العلم في باب تعليم الرجل أمته وأهله، ومسلم في كتاب الإيمان، من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: ثلاثة لهم أجران، وذكر منهم رجلاً من أهل الكتاب آمن بنبيه ثم آمن بالنبي ﷺ؛ وهذا موافق لمعنى الكفلين في الآية.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذا الخطاب جاء عقب ذكر الرهبانية مباشرة؛ فلما بيّن انحراف من ابتدع، وجّه المؤمنين إلى الطريق القويم: تقوى وإيمان، لا ابتداع وانقطاع. ثم إن الوعد بالنور هنا: {وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ} يعيد بناء السورة إلى مشهدها الأوسط في الآية الثانية عشرة: {يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ}؛ فما وُصف هناك مشهداً وُعد به هنا وعداً. وهذا من أظهر خيوط النظم في السورة. وقد جُعلت هذه الآية تمهيداً للخاتمة في الآية التاسعة والعشرين التي تقطع دعوى احتكار الفضل.