هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
هذه آية جامعة في الإحاطة الزمانية والمكانية والعلمية. أخرج مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ كان يقول: اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء. فهذا الحديث هو التفسير النبوي لهذه الآية، وبه صدّر ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" عند تفسير هذه الآية. وذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثالثة من سورة الحديد، أقوال أهل التأويل: الأول قبل كل شيء بغير ابتداء، والآخر بعد كل شيء بغير انتهاء، والظاهر فوق كل شيء بقهره وغلبته، والباطن العالم ببواطن الأمور المحتجب عن إدراك الأبصار. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير هذه الآية، أن هذه الأسماء الأربعة متقابلة، وأن الجمع بينها في نسق واحد يمنع من توهم النقص في أحدها. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الثالثة من سورة الحديد، إلى أن ختم الآية بـ{وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} مناسبٌ لاسم الباطن أشدّ المناسبة؛ إذ من كان باطناً لا يحجبه شيء كان عالماً بكل شيء.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تدرج السياق تدرجاً بديعاً: تسبيحٌ عام (الآية 1)، فملكٌ وتصرف (الآية 2)، فإحاطةٌ بالزمان والمكان والعلم (الآية 3). وهذا الترتيب يسدّ على النفس كل منفذٍ للاستقلال أو الاستخفاء؛ فلا زمان قبله ولا بعده، ولا جهة فوقه ولا دونه، ولا سرّ يخفى عليه. ثم جاءت الآية الرابعة تفصّل هذه الإحاطة في الخلق والاستواء والعلم بالوالج والخارج، وجاءت الآية السادسة تختم بـ{عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}؛ فبين الآيتين تناسبٌ في تتبع المعلوم من أوسع دوائره إلى أخفاها. وهذا كله تمهيدٌ لازم لآيات الإنفاق؛ إذ سيُطلب من المؤمن بذلٌ سرّيّ لا يطّلع عليه أحد، فقُرّر قبله أن هناك من يرى الباطن كما يرى الظاهر.