إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ
إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ
عاد السياق إلى ذكر البذل بعد العتاب والبشارة. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثامنة عشرة من سورة الحديد، أن {الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ} على قراءة التشديد بمعنى المتصدقين والمتصدقات، وأصلها "المتصدقين" فأُدغمت التاء في الصاد؛ وقُرئ بتخفيف الصاد على أنه من التصديق بالله ورسوله. وقال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، إن الله ذكر المتصدقين والمتصدقات وقرن بهم القرض الحسن ووعدهم المضاعفة والأجر الكريم. ونبّه القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير هذه الآية، إلى وجه عطف {وَأَقْرَضُوا} على اسم الفاعل، وأنه محمول على معنى الفعل؛ أي: إن الذين تصدقوا وأقرضوا. وبيّن السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذه الآية، أن الجمع بين وصف التصدق ووصف القرض الحسن إشارةٌ إلى أن العبرة ليست بمجرد إخراج المال بل بكونه على الوجه المرضيّ من الطيب والإخلاص وترك المنّ.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية تحقيق لما عُرض في الآية الحادية عشرة عرضاً: {مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ}؛ فذاك سؤال وعرض، وهذا إخبارٌ بأن ثمة من استجاب وأن جزاءه محقق. وموقعها بعد آية إحياء الأرض دقيق؛ فإن الصدقة أول ثمار القلب الحيّ، كما أن النبات أول ثمار الأرض المُحياة. ثم عُطف عليها في الآية التالية ذكر الصدّيقين والشهداء؛ فترقّى من مرتبة المتصدق إلى مرتبة الصدّيق إلى مرتبة الشهيد، وهو ترقٍّ في البذل: بذل المال، ثم بذل التصديق التام، ثم بذل النفس.