مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ
مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ
انتقل السياق إلى تحرير القلب من عقبتي الأسى والفرح. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثانية والعشرين من سورة الحديد، أن المعنى: ما نزل من بلاء في الأرض من جدب وقحط وآفة، ولا في أنفسكم من مرض ومصيبة، إلا وهو مثبت في كتاب من قبل أن نخلق ذلك؛ وأن {نَّبْرَأَهَا} أي نخلقها. وقال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، إن هذا إخبار عن سبق علم الله بالأشياء وكتابته لها قبل كونها. وأخرج مسلم في كتاب القدر عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير هذه الآية، اختلاف أهل التأويل في مرجع الضمير في {نَّبْرَأَهَا}: أهو عائد إلى المصيبة، أم إلى النفس، أم إلى الأرض؟ والمعنى صحيح على كل وجه؛ إذ الكتابة سابقة للجميع.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): موقع هذه الآية بعد الأمر بالمسابقة في غاية الإحكام؛ فإن أعظم ما يقطع العبد عن السباق أمران: حزنٌ على فائتٍ، وانشغالٌ بفرحٍ حاصل. فجاء تقرير سبق القدر ليقطع سبب الأمرين، ثم صرّح بذلك في الآية التالية: {لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ}. فالآيتان مقدمة ونتيجة. ثم ينتقل من هذا إلى ذمّ البخل (الآية 24)؛ ووجه الاتصال أن الفرح بالمال هو أصل البخل به، فلما قُطع الفرح المذموم أُتبع بذمّ ثمرته. وهذا يعود بنا إلى محور السورة كله: الإنفاق.