سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
افتُتحت السورة بإخبارٍ عن حقيقة قائمة في الملكوت كله. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الأولى من سورة الحديد، أن معنى {سَبَّحَ لِلَّهِ}: صلّى لله وعظّمه ونزّهه عن كل ما لا ينبغي له من صفات النقص؛ وأن {مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} شاملٌ لجميع خلقه فيهما. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير مطلع سورة الحديد، على أن الله يخبر عن تسبيح جميع المخلوقات له بحمده، وأن ذلك تنزيهٌ مطلق يشترك فيه العاقل وغير العاقل. وبسط القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير هذه الآية، خلاف أهل العلم في هذا التسبيح: أهو تسبيح مقالٍ حقيقي لا نفقهه، أم تسبيح دلالةٍ بلسان الحال لأن في كل مخلوق أثراً ناطقاً بحكمة صانعه؟ ورجّح جماعة من المحققين الأول لعموم قوله تعالى: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ}. وشواهد السنة تعضد الحقيقة؛ فقد أخرج مسلم في كتاب الفضائل أن النبي ﷺ قال: إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلّم عليّ قبل أن أُبعث، إني لأعرفه الآن. وأخرج البخاري في كتاب المناقب في باب علامات النبوة عن ابن مسعود رضي الله عنه قوله: كنا نعدّ الآيات بركة وأنتم تعدّونها تخويفاً، كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يُؤكل. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الأولى من سورة الحديد، إلى أن اختيار صيغة الماضي {سَبَّحَ} دون المضارع في هذه السورة إيذانٌ بأن التسبيح أمرٌ مضى وتقرر واستقر منذ وُجدت هذه المخلوقات، لا أمرٌ يُنتظر حدوثه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية جواباً عملياً لخاتمة سورة الواقعة؛ فقد أُمر النبي ﷺ هناك: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ}، فافتُتحت الحديد بالإخبار عن أن الكون كله سبق إلى امتثال هذا الأمر؛ فكأن السامع دُعي إلى الالتحاق بركبٍ سائرٍ لا إلى ابتداء طريق. وهي أيضاً مفتاح المسبِّحات الخمس، وقاعدة السورة كلها؛ إذ ستُطلب من العبد بعد قليل تكاليف ثقيلة من إنفاقٍ وقتالٍ وخشوع، فناسب أن يُقدَّم بين يدي الطلب تعريفٌ بالمطلوب له سبحانه: ملكٌ يسبّح له الكون، عزيزٌ لا يُغلب، حكيمٌ لا يعبث. ثم إن ختم الآية بـ{الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} تمهيد لما بعدها من الملك والإحياء والإماتة؛ إذ العزّة مصدر القدرة، والحكمة مصدر التدبير.