يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ۚ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ
يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ۚ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ
ختم الله مقطع التعريف بنفسه بآيةٍ تجمع بين آية كونية مشهودة وعلمٍ بأخفى ما في الإنسان. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية السادسة من سورة الحديد، أن معنى {يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ} إدخال ما نقص من ساعات هذا في ساعات هذا، فما نقص من الليل زيد في النهار وما نقص من النهار زيد في الليل. وقال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، إنه يتصرف في الزمان كما يتصرف في المكان، فيأخذ من طول هذا في قصر هذا. ونقل القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير هذه الآية، وجهاً آخر: أن الإيلاج تغشية أحدهما بالآخر عند دخول وقته، وأنه لا تنافي بين الوجهين؛ فالتغشية تقع في كل يوم، والزيادة والنقص يقعان في الفصول. وبيّن السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذه الآية، أن ختمها بـ{عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} تنبيهٌ على أن الذي دبّر هذا التعاقب المنضبط في الأفلاك لا يخفى عليه ما يتردد في الصدور من الخواطر، وهو تمهيد للتكليف الآتي؛ إذ الإنفاق مظنّة الرياء ومظنّة الشح الخفي.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية خاتمة المقدمة الاعتقادية (1 - 6)، وقد جُعلت جسراً إلى مقطع التكليف؛ فالإيلاج تصرفٌ محسوس يراه كل أحد بعينه كل يوم، والعلم بذات الصدور تصرفٌ باطن لا يراه أحد؛ فجمعت الآية بين برهانٍ مشهود ومراقبةٍ مغيبة، ثم جاء بعدها مباشرة الأمر: {آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا}. فكأن النظم يقول: الذي يقلّب الليل والنهار قادرٌ على تقليب قلبك، والذي يعلم ما في صدرك يعلم بأي نيّة أنفقت. ويتصل هذا بقوله في السورة نفسها: {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} و{بَصِيرٌ}؛ فتكاملت مراقبة الظاهر والباطن.