يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ وَلَٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّىٰ جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ
يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ وَلَٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّىٰ جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ
هنا يُعرض الحوار الأخير بين الفريقين. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الرابعة عشرة من سورة الحديد، أن المنافقين ينادون المؤمنين من وراء السور: ألم نكن معكم في الدنيا نصلي كما تصلون ونغزو كما تغزون؟ فيجيبهم المؤمنون: بلى، ولكنكم أهلكتم أنفسكم بأربع: فتنتم أنفسكم، وتربصتم بالمؤمنين الدوائر، وارتبتم في الدين، وغرّتكم الأماني. وفسّر ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، {فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ} بأهلكتموها وأوقعتموها في الفتنة بالنفاق، و{وَتَرَبَّصْتُمْ} بانتظار هلاك المؤمنين ودوران الدائرة عليهم، و{وَارْتَبْتُمْ} بالشك في البعث وفي صدق الرسول، و{وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ} بطول الأمل والاتكال على المغفرة بلا عمل. وذكر جمهور المفسرين أن {الْغَرُورُ} في آخر الآية هو الشيطان؛ لقوله تعالى: {وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ}، وقيل: هو كل ما يغرّ من دنيا ورئاسة وطول أمل.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية تتمة مشهد السور، وفيها بيان العلة بعد بيان الحكم؛ فقد ذُكر في الآية السابقة أنهم مُنعوا من النور وضُرب دونهم السور، وذُكر هنا لماذا استحقوا ذلك. ولاحظ الترتيب التصاعدي للأسباب الأربعة: فتنةٌ في النفس، ثم تربصٌ بالجماعة، ثم ارتيابٌ في الاعتقاد، ثم اغترارٌ بالأماني؛ فالبدء بالداخل والانتهاء بالخارج، والبدء بالعمل والانتهاء بالوهم. وهذا يمهد للآية التالية التي تقطع كل رجاء: {فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ}. ويتصل ذكر {وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ} بقوله في الآية العشرين: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ}؛ فالمقدمة هنا والنتيجة هناك.