هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ
هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ
هذه الآية تقرير للحجة التي أُقيمت في الآية قبلها. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية التاسعة من سورة الحديد، أن {عَبْدِهِ} هو محمد ﷺ، و{آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} هي آيات القرآن الواضحة الدلالة، وأن الغاية {لِّيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} أي من ظلمات الكفر والشك إلى نور الإيمان واليقين. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن جمع الظلمات وإفراد النور مقصود؛ لأن طرق الباطل متعددة وطريق الحق واحد. وبيّن القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير هذه الآية، أن وصفه ﷺ بالعبودية في مقام الوحي أشرف أوصافه؛ إذ العبودية لله غاية التشريف لا غضّ من القدر. وأشار السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذه الآية، إلى أن ختمها بـ{لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} بيانٌ لباعث الإنزال؛ فإنزال الآيات وإخراج الناس من الظلمات ليس تكليفاً ثقيلاً بل رحمةٌ سابقة ورأفةٌ بالخلق.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية بين عتابين: عتابٍ على التخلف عن الإيمان (الآية 8)، وعتابٍ على التخلف عن الإنفاق (الآية 10)؛ فوقعت موقع الحجة الفاصلة بينهما. ووجه ذلك أن العتاب لا يستقيم إلا بعد بيان أن البينة قد أُقيمت؛ فذكر إنزال الآيات البينات على الرسول تحقيقٌ لقيام الحجة. وتتصل هذه الآية بمشهد النور في الآية الثانية عشرة: {يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ}؛ فالنور الذي أُخرجوا إليه في الدنيا هو نفسه الذي يسعى بين أيديهم في الآخرة؛ وهذا من أدق ما في نظم السورة من تلاحم.