إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
تُفتتح السورة بتقرير أصل الإرسال مؤكداً بنون العظمة: {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الأولى من سورة نوح، أن المعنى: إنا بعثنا نوحاً إلى قومه بالرسالة، وأمرناه أن يحذرهم بأس الله وسطوته من قبل أن ينزل بهم العذاب الموجع؛ فيكون إنذاره لهم إعذاراً إليهم وإقامة للحجة عليهم. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير مطلع سورة نوح، على أن نوحاً عليه السلام أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض بعد أن حدث فيهم الشرك وعُبدت الأوثان؛ واستدل لذلك بحديث الشفاعة الطويل المخرَّج في "صحيح البخاري" و"صحيح مسلم" من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، وفيه أن الناس يأتون نوحاً يوم القيامة فيقولون له: يا نوح، إنك أنت أول الرسل إلى أهل الأرض. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير هذه الآية، أن مدة لبثه في قومه ثابتة بنص القرآن في قوله تعالى: {فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا}، وأن هذه المدة هي مدة الدعوة بعد البعثة على قول الجمهور. وبيّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الأولى من السورة، أن قوله: {مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} قيد كاشف عن حكمة الإرسال ومقصده؛ فليست الرسالة مجرد إخبار، بل هي إمهال مقصود وفرصة ممتدة قبل نفاذ الأجل.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء افتتاح السورة بجملة اسمية مؤكدة تقرر حقيقة الإرسال قبل تفصيل ما جرى فيه؛ وهو نظم يقدّم الحكم ثم يسوق تفصيله، فيستقر الأصل في الذهن قبل أن تتوالى عليه التفاصيل. وقد اتصل هذا المطلع بخاتمة سورة المعارج التي انتهت إلى وعيد المكذبين بيومهم الموعود؛ فجاءت سورة نوح لتضرب المثل بأمة تحقق فيها ذلك الوعيد فعلاً. وفي الآية توطئة لكل ما بعدها؛ إذ ذكرت المرسِل والمرسَل والمرسَل إليهم ومضمون الرسالة والغاية منها؛ فهي كالفهرس المجمل لسورة كاملة سيأتي تفصيلها آية آية إلى خاتمتها.