وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا
وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا
يُصرَّح بالدعاء الحاسم بالاستئصال: {وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية السادسة والعشرين من سورة نوح، أن المعنى: لا تترك على ظهر الأرض من الكافرين أحداً يسكن الديار ويتحرك فيها. وروى في تفسير {دَيَّارًا} عن ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة والضحاك: أي أحداً. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن نوحاً إنما دعا بهذا بعد أن أوحى الله إليه {أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ آمَنَ}؛ فدعا بما علم أنه موافق لحكم الله فيهم. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن "ديّاراً" فيعال من الدوران أو من الدار، وأصله "ديوار" فاجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقُلبت الواو ياءً وأُدغمت؛ وأنه لا يُستعمل إلا في سياق النفي. وبيّن السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذه الآيات، أن هذا الدعاء صدر عن نبي رحيم بعد أن جرّب قومه القرون الطوال فعلم أن بقاءهم شر محض.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية بعد الإخبار بإغراقهم؛ وفي هذا التقديم والتأخير لطيفة نظمية: ذُكرت النتيجة أولاً ثم ذُكر الدعاء الذي كان سبباً لها؛ لأن السياق سياق تعداد لأحوال القوم لا سياق سرد تاريخي مرتب. وقد اتصلت هذه الآية بما بعدها اتصال الدعوى بدليلها؛ فالآية السابعة والعشرون تعليل لهذا الدعاء: {إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ}. فلم يُترك الدعاء مجرداً بل قُرن بحجته؛ وهذا من أدب الأنبياء في المسألة. ثم تختم السورة بعد ذلك بالدعاء للمؤمنين؛ فتنتهي السورة على مقابلة تامة بين دعاءين: دعاء على الظالمين ودعاء للمؤمنين.