قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا
قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا
ينتقل السياق نقلة مفاجئة من خطاب القوم إلى مناجاة الرب: {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الخامسة من سورة نوح، أن هذا شكوى من نوح إلى ربه بعد أن استفرغ وسعه في دعوتهم؛ والمعنى: إني دعوتهم إلى طاعتك وتوحيدك في الليل والنهار، لم أفتر عن ذلك ولم أدع وقتاً إلا دعوتهم فيه. وذكر ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، أن المراد استيعاب الأوقات كلها بالدعوة، وأن هذا إخبار عن بذل غاية الجهد لا إخبار عن مجرد وقوع الدعوة. وأشار القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، إلى أن هذه الشكوى لم تكن ضجراً من التكليف، وإنما هي رفع للأمر إلى من بيده الأمر بعد انقطاع الحيلة، كما رفع غيره من الأنبياء أمرهم إلى ربهم. وذكر ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الخامسة من السورة، أن الانتقال من الحكاية عن خطابه لقومه إلى حكاية مناجاته لربه فيه طيّ لمدة طويلة من الزمن، واختصار بليغ يدل على أن ما بين الدعوتين قرون لا تُحصى.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هنا تنقل السورة القارئ من مشهد الدعوة إلى مشهد الشكوى، ومن حاضر البلاغ إلى محصلته بعد قرون. وهذه الآية مفتاح المقطع الثاني كله (5 - 20)؛ إذ تُصدَّر بها سلسلة من الجمل التي يعرض فيها نوح سجل دعوته بترتيب تصاعدي: الزمن أولاً ({لَيْلًا وَنَهَارًا})، ثم النتيجة ({إِلَّا فِرَارًا})، ثم صور الإعراض، ثم أسلوب الجهر، ثم الجمع بين الإعلان والإسرار. فالنظم يبني درجاً محكماً، كل درجة فيه تسبق ما بعدها منطقياً. كما أن ذكر الاستيعاب الزمني هنا يمهد لذكر الاستيعاب الأسلوبي بعده؛ فاكتمل بذلك عرض البلاغ من جهتي الزمان والكيفية.