وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا
وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا
يقيم عليهم الحجة بأقرب دليل إليهم وهو أنفسهم: {وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الرابعة عشرة من سورة نوح، أن المعنى: وقد خلقكم حالاً بعد حال وصورة بعد صورة؛ وروى عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله: أطواراً، أي نطفة ثم علقة ثم مضغة. وذكر عن قتادة نحوه، وزاد وجهاً آخر: أطواراً في المنازل والأحوال؛ صغاراً ثم شباباً ثم شيوخاً، وأغنياء وفقراء. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن هذه الأطوار مفصلة في مواضع من القرآن كقوله في سورة المؤمنون: {ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً}. ويشهد لهذا المعنى حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه المخرَّج في "صحيح البخاري" و"صحيح مسلم" في ذكر خلق الإنسان في بطن أمه، وفيه: أن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يُرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح. وبيّن السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذه الآية، أن انتقال الإنسان في هذه الأطوار المتباينة دليل قاطع على قدرة خالقه وحكمته وانفراده بالتدبير.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الجملة حالاً مؤكدة للتوبيخ في الآية السابقة؛ فالمعنى: كيف لا توقّرونه والحال أنه خلقكم أطواراً؟ وقد بدأ بهذا الدليل قبل أدلة الآفاق؛ لأن الإنسان أقرب شيء إلى نفسه، فالحجة به آكد وأسرع وصولاً. ثم انتقل بعدها إلى ما هو أبعد: السماوات السبع، فالقمر والشمس، ثم عاد إلى الأرض التي منها أُنبتوا وإليها يعودون ومنها يخرجون، ثم إلى بسط الأرض وسبلها. فالنظم يرسم دائرة كاملة: تبدأ من النفس، وتتسع إلى أقصى الأفق، ثم ترجع إلى موطئ القدم؛ فلا يجد المخاطب مهرباً من الدليل في أي جهة التفت.