وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا
يختم سلسلة البراهين بنعمة يطؤها المخاطب بقدميه: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية التاسعة عشرة من سورة نوح، أن المعنى: والله جعل لكم الأرض مبسوطة ممهدة تستقرون عليها وتتصرفون فيها، ولم يجعلها وعرة لا يمكن السير فيها. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن هذا امتنان بتذليل الأرض وتمهيدها لبني آدم ليقيموا عليها ويتقلبوا في مناكبها. وبيّن القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن البساط ما يُبسط ويُفرش؛ فشبّه الأرض به لتمكّن الانتفاع بها كما يُنتفع بالفراش المبسوط. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير هذه الآية، إلى أن التعبير بالبساط جرى على ما يُدرك بالحس والمشاهدة في حق الناظر إليها، وأن هذا هو مقتضى الخطاب بلسان قوم يُراد إفهامهم بما يعاينون.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): عادت الآية إلى ذكر النعم الدنيوية بعد أن مرّ بالبعث؛ فترتب النظم على أن الدنيا والآخرة مشهد واحد متصل لا مشهدان منفصلان. وقد جاءت هذه الآية آخر البراهين الست في السورة؛ فبدأت السلسلة بأبعد شيء عن المخاطب (السماوات السبع) وانتهت بأقرب شيء إليه (الأرض التي يقف عليها). ثم إن هذه الآية موصولة بما بعدها وصل الغاية بالوسيلة؛ فقوله {لِّتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا} علة لبسط الأرض؛ فلم تُذكر النعمة مجردة بل مقرونة بحكمتها. وبتمام الآيتين ينتهي المقطع الثاني من السورة، لتبدأ الشكوى الثانية في الآية الحادية والعشرين.