مِّمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَنصَارًا
مِّمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَنصَارًا
يُنفَّذ الحكم في جملة واحدة تختصر نهاية أمة: {مِّمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الخامسة والعشرين من سورة نوح، أن المعنى: من أجل خطاياهم أُغرقوا بالطوفان، وأن "ما" صلة زائدة للتوكيد، والتقدير: من خطيئاتهم. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن قوله {فَأُدْخِلُوا نَارًا} عقب الإغراق بالفاء دليل على أنهم نُقلوا من الماء إلى النار، وأن هذا من أدلة عذاب البرزخ؛ إذ لا فاصل بين الغرق والإدخال. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن في {خَطِيئَاتِهِمْ} وجهاً آخر في القراءة بجمعها على "خطايا"، وأن المعنى واحد. وبيّن السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذه الآية، أن قوله {فَلَمْ يَجِدُوا لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَنصَارًا} تبكيت لهم بآلهتهم التي تشبثوا بها؛ إذ لم تدفع عنهم شيئاً في أحوج ما كانوا إليها.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية جواباً معجَّلاً للدعاء المذكور في الآية السابقة؛ فلم يُفصل بين الدعاء والإجابة بشيء، إشعاراً بسرعة نفاذ حكم الله إذا حان أجله. وقد طُوي في هذه الآية زمن الطوفان كله وتفصيله المذكور في سورة هود والقمر وغيرهما؛ لأن السورة موضوعها الدعوة لا الحادثة؛ فاكتُفي بالإشارة إلى النتيجة. ثم إن ذكر انتفاء الأنصار في آخر الآية ردّ مباشر على الآية الثالثة والعشرين؛ فقد تشبثوا بـ{وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا}، فلما جاء الأمر لم تنصرهم؛ فبين الآيتين تقابل ساخر بالغ الأثر.