وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا
وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا
تهبط الأدلة من السماء إلى الأرض، وتُعرض نشأة الإنسان في صورة بديعة: {وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية السابعة عشرة من سورة نوح، أن المعنى: والله خلقكم من الأرض، فأنشأكم منها إنشاءً؛ لأن أصل خلق آدم من تراب، وذريته من نطفة متولدة مما يتغذى به من نبات الأرض. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن المراد إنشاؤهم من الأرض التي خُلق منها أبوهم آدم عليه السلام. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن {نَبَاتًا} مصدر جاء على غير لفظ فعله؛ إذ القياس "إنباتاً"، وهذا مما جرت به سنن العرب في وضع أحد المصدرين موضع الآخر. وبيّن السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذه الآيات، أن في التعبير بالإنبات إشارة إلى أن الإنسان في نموه وتدرجه كالنبات في خروجه من الأرض ضعيفاً ثم اشتداده ثم بلوغه تمامه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): اتصلت هذه الآية بما قبلها اتصال النزول من الأعلى إلى الأدنى؛ فبعد السماوات والقمر والشمس، جاء ذكر الأرض ومن أُنبت منها. وقد استُؤنفت الجملة باسم الجلالة الظاهر {وَاللَّهُ} بعد أن كان السياق بالفعل المعطوف؛ وفي هذا الاستئناف تنبيه على بداية دليل جديد. ثم إن ذكر الإنبات هنا مهّد مباشرة لما بعده: {ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا}؛ فاكتملت دورة الإنسان في آيتين متتاليتين: خروج من الأرض، فعود إليها، فخروج منها ثانية. وهذا من أحكم ما يُساق في تقرير البعث؛ إذ جُعل البعث حلقة ثالثة في سلسلة أول حلقتيها مشاهدة مسلَّمة.