ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا
ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا
تُختم دورة الإنسان بذكر العود والبعث: {ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثامنة عشرة من سورة نوح، أن المعنى: ثم يعيدكم في الأرض بعد مماتكم فتصيرون فيها تراباً كما كنتم قبل أن يخلقكم، ثم يخرجكم منها يوم القيامة أحياءً إخراجاً. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن هذا استدلال على المعاد بالنشأة الأولى، وأنه من أوضح ما يُحتج به على منكري البعث. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن تأكيد الإخراج بالمصدر {إِخْرَاجًا} لدفع توهم المجاز؛ فهو إخراج حقيقي للأبدان لا إخراج معنوي. وأشار السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذه الآيات، إلى أن من قدر على الإنشاء ابتداءً فهو على الإعادة أقدر في مقتضى العقل والحس.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية تتمة للآية قبلها؛ فتلك ذكرت الخروج الأول من الأرض، وهذه ذكرت العود إليها ثم الخروج الثاني منها. وبهذا الترتيب يتم البرهان على البعث بأسلوب لا يُدفع: مقدمة مسلَّمة (أُنبتم من الأرض)، ومقدمة مشاهدة (يعيدكم فيها)، ونتيجة لازمة (ويخرجكم إخراجاً). فمن أقرّ بالأوليين لزمه الإقرار بالثالثة؛ إذ الفاعل واحد والمادة واحدة والقدرة واحدة. ثم إن السياق بعد هذه الآية يعود إلى النعم الدنيوية {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا}؛ فذُكر البعث في وسط النعم لا في آخرها؛ إشعاراً بأن الآخرة ليست فصلاً منفصلاً عن الدنيا بل هي متن الحياة.