لِّتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا
لِّتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا
تُذكر الحكمة من بسط الأرض: {لِّتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية العشرين من سورة نوح، أن المعنى: لتسلكوا من الأرض طرقاً واسعة تسيرون فيها حيث شئتم لطلب معايشكم. وروى في تفسير {فِجَاجًا} عن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره: أنها الطرق الواسعة بين الجبال. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن الله ذلّل لهم الأرض وجعل فيها مسالك ينتقلون فيها من قطر إلى قطر ومن إقليم إلى إقليم. وبيّن القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن "الفج" الطريق الواسع بين جبلين، وجمعه فجاج؛ ونظير الآية قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ}. وأشار السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذه الآيات، إلى أن هذا من تمام نعمة الله؛ إذ لو كانت الأرض مبسوطة دون مسالك بين جبالها لتعذر التنقل والتجارة والتعارف.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت الآية علة للنعمة المذكورة قبلها؛ فلم تُترك النعمة مجملة بل بُيّنت غايتها. وبهذا يُختم المقطع الثاني من السورة بأتم صورة: نعمة مقرونة بحكمتها. ثم إن ذكر السير في الأرض هنا فيه تعريض لطيف بحالهم؛ إذ إن من مُكّن له في الأرض هذا التمكين، ووُسّعت له مسالكها، ثم لم يسر في آثار من قبله ولم يعتبر، فقد عطّل النعمة عن مقصودها. ثم انتقل السياق بعد هذه الآية إلى الشكوى الثانية {قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي}؛ فبعد أن استوفى عرض الحجج، انتقل إلى إعلان النتيجة؛ وهو ترتيب تام: بلاغ، فحجج، فتقرير للنتيجة.