ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا
ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا
يرتقي نوح عليه السلام في أساليبه فينتقل من الدعوة المعتادة إلى المصادعة العلنية: {ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثامنة من سورة نوح، أن المعنى: ثم إني دعوتهم إلى ما أمرتني به معلناً بالدعاء رافعاً به صوتي، لا أُسرّه ولا أُخفيه. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن نوحاً نوّع في دعوتهم بحسب الأحوال، فدعاهم جهاراً بين الملأ ثم أسرّ إليهم في خلواتهم؛ وأن هذا من كمال النصح واستفراغ الوسع. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن {جِهَارًا} منصوب على المصدر من معنى {دَعَوْتُهُمْ}؛ لأن الدعاء جهاراً نوع من الجهر، فكأنه قال: جاهرتهم مجاهرة. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الثامنة من السورة، إلى أن "ثم" هنا للترتيب الرتبي لا الزمني المحض؛ فهي تفيد أن الجهار أعلى رتبة وأشق على النفس مما قبله، لا أنه وقع بعده في الزمن فحسب.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية درجة ثانية في سلّم البلاغ الذي بدأ في الآية الخامسة؛ فالأولى ذكرت استيعاب الزمن، وهذه تذكر تصعيد الصوت. وقد فُصل بينهما بذكر النتيجة وصور الإعراض؛ ليتقرر أن الارتقاء في الأسلوب لم يكن اعتباطاً بل جاء بعد استنفاد ما دونه ومعاينة فشله. ثم إن هذه الآية تمهّد لما بعدها؛ إذ لما كان الجهار وحده قد يستثير الكبر ويحرج المدعو أمام قومه، جاءت الآية التاسعة تجمع بين الإعلان والإسرار معاً؛ فالنظم يعرض منهجاً متكاملاً لا خطوات متفرقة.