وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا
وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا
تفصّل الآية صور الإعراض في مشهد حي متتابع: {جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية السابعة من سورة نوح، أن المعنى: كلما دعوتهم إلى الإيمان بك لتستر عليهم ذنوبهم، سدّوا آذانهم بأصابعهم لئلا يسمعوا دعائي، وتغطّوا بثيابهم لئلا يبصروني. وروى عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ}: تغطّوا بها. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن هذا غاية في المعاندة؛ فإنهم لم يكتفوا بالإعراض القلبي حتى حجبوا حاسة السمع وحاسة البصر عن مجرد التلقي. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن في استغشاء الثياب وجهين: أن يكون لئلا يعرفهم فيدعوهم، أو أن يكون إظهاراً للنفور والاستثقال. وأشار الزمخشري في "الكشاف"، عند تفسير هذه الآية، إلى أن قوله {لِتَغْفِرَ لَهُمْ} جعل الغاية من الدعوة هي مغفرتهم؛ فهو يدعوهم لمصلحتهم لا لمصلحته، وهذا أبلغ في تقبيح ردّهم.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية تفصيلاً لمجمل {فِرَارًا} في الآية قبلها؛ فتلك أجملت النفور وهذه صوّرت صوره. وقد رُتبت الأفعال الخمسة ترتيباً صاعداً من الظاهر إلى الباطن: سدّ الآذان (منع السمع)، فاستغشاء الثياب (منع الرؤية)، فالإصرار (ثبات القلب على الرفض)، فالاستكبار (تعالٍ على الحق)، فتأكيده بالمصدر (بلوغ الغاية فيه). ثم إن ذكر تكرار المحاولة بـ{كُلَّمَا} يمهد لما بعدها من ارتقاء نوح في أسلوبه إلى الجهار ثم الإعلان والإسرار؛ فالنظم يكشف أن تصعيد الأساليب جاء بعد استنفاد ما دونه.