يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ ۖ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ ۖ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
بعد الأمر يأتي بيان الجزاء ترغيباً: {يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الرابعة من سورة نوح، أن المعنى: إن تفعلوا ما أمرتكم به يصفح الله لكم عن ذنوبكم فلا يعاقبكم عليها، ويمهلكم في الدنيا إلى الوقت الذي جعله غاية لآجالكم، فلا يهلككم بالعذاب المعجَّل. وأورد في معنى {مِّن ذُنُوبِكُمْ} قولين: أنها زائدة للتوكيد على مذهب من يجيز زيادتها في الإثبات، أو أنها للتبعيض؛ لأن المغفرة تتناول ما بينهم وبين الله دون مظالم العباد. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن التأخير إلى أجل مسمى إنما هو دفع للعذاب المستأصل الذي يُعجَّل للمكذبين، وأن الطاعة سبب لطول العمر ونماء البركة فيه. وبيّن القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن قوله: {إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ} احتراس دقيق لئلا يُتوهم أن الطاعة تُخلّد في الدنيا؛ فالأجل المحتوم لا مردّ له، والتأخير إنما هو في أجل العذاب المعلَّق لا في أجل الموت المكتوب. وأشار السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذه الآية، إلى أن قوله {لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} تحسّر عليهم؛ فلو كان لهم علم لبادروا إلى ما فيه نجاتهم.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت الآية جواباً للأمر في الآية السابقة؛ فبين الآيتين رابطة الشرط والجزاء وإن لم تُذكر أداة الشرط صراحة. وقد جمعت الآية بين ثمرة أخروية ({يَغْفِرْ}) وثمرة دنيوية ({يُؤَخِّرْكُمْ})؛ وهذا الجمع بين الدارين هو نفسه النسق الذي ستعود إليه السورة في الآيات (10 - 12) حين يقرن الاستغفار بالمطر والأموال والبنين والجنات؛ فبين مطلع السورة ووسطها تناظر بديع. ثم إن الاحتراس {إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ} يقطع الطريق على من يفهم من الوعد ضماناً للخلود في الدنيا؛ فالنظم يعطي ثم يضبط.