ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا
ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا
تبلغ صور البلاغ ذروتها بالجمع بين النقيضين في الأسلوب: {ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية التاسعة من سورة نوح، أن المعنى: ثم إني أظهرت لهم الدعاء وأعلنته، وأخفيته عنهم إخفاءً في السر؛ فجمعت لهم بين العلانية والمسارّة، لم أدع وجهاً من وجوه الدعاء إلا أتيته. وروى عن سعيد بن جبير في هذه الآية أن نوحاً كان يدعوهم في العلن ثم يخلو بالرجل منهم فيناصحه سراً. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن هذا من تفنن نوح في دعوتهم وحرصه على هدايتهم، فسلك بهم كل مسلك، وطرقهم من كل باب. وذكر السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذه الآيات، أن هذا يدل على كمال نصح الرسل وشدة رغبتهم في هداية أممهم، وأنهم لم يقصّروا في شيء يمكن أن يكون سبباً للهداية.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تمثل هذه الآية قمة السلّم الأسلوبي في السورة؛ فبعد استيعاب الزمن (ليلاً ونهاراً)، ثم رفع الصوت (جهاراً)، جاء استيعاب الحال كله بالجمع بين الظهور والخفاء. وبتمام هذه الآية يكتمل عرض سجل البلاغ، فينتقل النظم من وصف الوسائل إلى ذكر المضمون؛ إذ تبدأ الآية العاشرة بـ{فَقُلْتُ} فتحكي نص ما قاله لهم. فالفاء في {فَقُلْتُ} فاء الإفصاح؛ كأنه قيل: فماذا قلت لهم في هذه الأحوال كلها؟ فقال: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ}. فالنظم انتقل من الكيف إلى المضمون في أدق ترتيب.