فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا
فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا
تأتي النتيجة صادمة معاكسة لكل مبذول: {فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية السادسة من سورة نوح، أن المعنى: فلم يزدهم دعائي إياهم إلى الإيمان بك وطاعتك إلا هرباً مني وإدباراً عما دعوتهم إليه وبعداً منه. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أنهم كلما دعاهم ازدادوا نفوراً وشروداً، فكان الدواء عندهم يزيد الداء. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن نسبة الزيادة إلى الدعاء مجاز؛ إذ الدعاء في نفسه سبب هدى، وإنما وقع الفرار عنده لا به، كما يقال: زاده الدواء مرضاً إذا صادف بدناً فاسداً. وأشار السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذه الآيات، إلى أن هذا من أعظم ما يبتلى به الداعية: أن يرى سعيه ينقلب في المدعوين إلى ضده؛ وهو مع ذلك مأمور بالمضي لا بالتوقف.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت الفاء رابطة بين البذل ونتيجته في أسرع اتصال؛ فلم يفصل بينهما بشيء، إشعاراً بأن الأثر كان يتلو الدعوة مباشرة كلما وقعت. وهذه الآية هي المقابل السلبي للآية التي قبلها؛ فتلك عرضت الجهد وهذه عرضت الحصاد. ثم إن هذه النتيجة هي التي فتحت الباب لما بعدها؛ فلما لم ينفع الدعاء المطلق فصّل في الآية السابعة صور إعراضهم، ثم ارتقى في الأساليب في الآيتين بعدها. فالنظم هنا يسير على منهج: عرض المحاولة، فبيان فشلها، فتفصيل سببها، فارتقاء في الوسيلة.