أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ
أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ
تأتي هذه الآية لتحدد مضمون النذارة في ثلاث كلمات جامعة: {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثالثة من سورة نوح، أن المعنى: أن أخلصوا العبادة لله وحده ولا تشركوا به شيئاً، واتقوا عقابه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، وأطيعوني فيما آمركم به وأنهاكم عنه؛ فإني رسول من عنده. وذكر ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، أن هذه الأوامر الثلاثة هي دعوة الرسل جميعاً من أولهم إلى آخرهم، لا يختلفون فيها؛ وأن طاعة الرسول لازمة لعبادة الله؛ إذ لا سبيل إلى معرفة المعبود ومراده إلا من طريق رسوله. وأشار القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، إلى أن حذف ياء المتكلم من {وَأَطِيعُونِ} موافق لرؤوس الآي، وأنه ثابت في الرسم العثماني. وبيّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الثالثة من السورة، أن ترتيب هذه الثلاثة ترتيب رتبي دقيق: عبادة تصحّح الوجهة، فتقوى تحرس المسير، فطاعة للرسول تعيّن الطريق.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية بياناً لمجمل {نَذِيرٌ مُّبِينٌ}؛ فأجابت عن سؤال مقدَّر: بم تنذر؟ ثم مهّدت لما بعدها؛ إذ ذكرت الأوامر الثلاثة، فجاءت الآية الرابعة تذكر الجزاء المترتب عليها: {يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ}. فانتظم السياق على قاعدة: تكليف يعقبه ترغيب. وفي ترتيب الثلاثة نظم محكم: بدأ بالعبادة لأنها الغاية التي خُلق لها الخلق، ثم بالتقوى لأنها الحارس الذي يحفظ العبادة من الخلل، ثم بطاعة الرسول لأنها الطريق الذي تُعرف به كيفية العبادة وحدود التقوى؛ فلا يستقيم واحد منها بغير قرينيه.