إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا
إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا
يعلّل نوح دعاءه بعلتين قاطعتين: {إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية السابعة والعشرين من سورة نوح، أن المعنى: إنك إن تتركهم في الأرض يُضلوا من بقي من عبادك المؤمنين، ولا يلدوا إلا من يفجر ويكفر بك. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن نوحاً عليه السلام إنما قال هذا عن خبرة بهم؛ إذ لبث فيهم قروناً يعرف طباعهم، وعن علم أعلمه الله به. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن قوله {وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا} إخبار عن مآل مواليدهم لا عن حالهم عند الولادة؛ إذ كل مولود يولد على الفطرة، وإنما أراد ما يصيرون إليه بتربية آبائهم. ويشهد لهذا الأصل حديث أبي هريرة رضي الله عنه المخرَّج في "صحيح البخاري" و"صحيح مسلم": «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه». وأشار السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذه الآيات، إلى أن هذا من كمال نصح نوح ونظره في مآلات الأمور لا في ظواهرها.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت الآية تعليلاً للدعاء في الآية السابقة؛ فارتبطتا ارتباط الدعوى بالبرهان. وقد ساق نوح علتين: حاضرة ومستقبلة؛ فالحاضرة إضلالهم لمن بقي من المؤمنين، والمستقبلة فساد ذريتهم. فالنظر شامل للجيل القائم وللأجيال الآتية معاً؛ وهذا استيعاب تام لا يترك مجالاً لاعتراض. ثم إن ذكر الولادة هنا يقابل ما تقدم في الآية الثانية عشرة من الوعد بـ{بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ}؛ فمن رفض شرط النعمة صار نسله وبالاً بعد أن كان موعوداً به خيراً؛ وبين الموضعين تقابل يكشف عن عدل الجزاء.