مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا
مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا
ينتقل الخطاب من الترغيب إلى التوبيخ والاستنكار: {مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثالثة عشرة من سورة نوح، أن أهل التأويل اختلفوا في معنى {لَا تَرْجُونَ} على أقوال: فروى عن ابن عباس رضي الله عنهما: ما لكم لا تخافون لله عظمة؛ وعن مجاهد: لا تبالون لله عظمة؛ وعن الحسن: لا ترون لله عظمة. ورجّح الطبري أن "الرجاء" هنا بمعنى الخوف، وهي لغة معروفة عند بعض العرب يوضع فيها الرجاء موضع الخوف إذا صُحب بجحد. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن المعنى: ما لكم لا تعظّمون الله حق عظمته وهو الذي خلقكم أطواراً. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن استعمال الرجاء بمعنى الخوف لغة تهامة وهذيل، وأنشد لأبي ذؤيب شاهداً على ذلك؛ وأن "الوقار" العظمة والحلم والرزانة. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الثالثة عشرة، إلى أن الاستفهام هنا إنكاري توبيخي، وأن حذف متعلق الإنكار يفيد أن حالهم لا يُعرف لها سبب معقول أصلاً.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء هذا الاستنكار بعد سرد النعم الأربع مباشرة؛ وهو موضع بالغ الدقة في النظم: فقد سيقت النعم أولاً لتقرر فضل المنعم، ثم جاء التوبيخ ليقول: كيف تُعرَض عليكم هذه الآلاء ثم لا تعظّمون من ساقها إليكم؟ ثم جاءت الآية التالية {وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا} حالاً مؤكدة تزيد التوبيخ إحكاماً؛ إذ إن الذي أنشأهم من العدم أحق بالتعظيم ممن أنعم عليهم فحسب. فالنظم يسير: إنعام، فتوبيخ على ترك التعظيم، فتذكير بأصل الخلق، ثم تنتقل الآيات بعدها إلى البراهين الكونية.