وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا
وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا
ينتقل من ذكر تقليد الأتباع إلى ذكر صنيع المتبوعين: {وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثانية والعشرين من سورة نوح، أن المعنى: ومكر الرؤساء بأتباعهم مكراً عظيماً، فصدّوهم عن اتباع نوح وحملوهم على التمسك بآلهتهم. وروى في تفسير {كُبَّارًا} عن ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة ومجاهد: أي عظيماً كبيراً. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن مكرهم كان بأتباعهم فيما يوهمونهم به من صواب ما هم عليه من الشرك؛ فهو مكر داخلي في الأمة لا مجرد عداوة خارجية. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن في اللفظ ثلاث لغات في التعبير عن العِظَم: "كبير" ثم "كُبار" بالتخفيف ثم "كُبّار" بالتشديد، وكل واحدة أبلغ مما قبلها؛ فجاءت الآية بأبلغها. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير هذه الآية، إلى أن تنكير {مَكْرًا} مع وصفه بأبلغ صيغ العظمة يفيد أنه مكر خارج عن المألوف في بابه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): اتصلت هذه الآية بما قبلها اتصال الفعل بفاعله المتقدم ذكره؛ فالآية السابقة ذكرت أن الأتباع اتبعوا رؤساءهم، وهذه تذكر ما صنعه أولئك الرؤساء. ثم إن هذه الآية جاءت مجملة، وفصّلتها الآية التالية {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ}؛ فقد أُبهم المكر أولاً ليعظم في النفس، ثم كُشف عنه ثانياً ليُعرف موضعه. وهذا من أساليب النظم القرآني في تعظيم الشيء: إجمال ثم تفصيل. كما أن التدرج في المقطع الثالث منتظم: عصيان، فتقليد، فمكر، فمضمون المكر، فنتيجته في الآية الرابعة والعشرين ({وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا}).