فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا
فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا
بعد عرض الوسائل يأتي عرض المضمون، فإذا هو دعوة إلى الاستغفار: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية العاشرة من سورة نوح، أن المعنى: فقلت لهم توبوا إلى ربكم من كفركم وسلوه أن يستر عليكم ذنوبكم؛ إنه كان ستّاراً لذنوب من تاب إليه وأناب. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن نوحاً وعدهم على الاستغفار بخيرات الدنيا مضافة إلى خير الآخرة؛ وأن هذا من فقه الدعوة، إذ ذُكّروا بما يحبون ليقبلوا على ما ينفعهم. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآيات (10 - 12)، أثراً مشهوراً عن الحسن البصري رحمه الله: أن رجلاً شكا إليه الجدب فقال له: استغفر الله؛ وشكا آخر الفقر فقال: استغفر الله؛ وشكا آخر جفاف بستانه فقال: استغفر الله؛ وشكا آخر قلة الولد فقال: استغفر الله؛ فقيل له في ذلك، فتلا هذه الآيات. وذكر أيضاً أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يستسقي بالاستغفار ويستفتح به. وبيّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية العاشرة من السورة، أن صيغة {غَفَّارًا} صيغة مبالغة تدل على تكرر المغفرة وكثرتها، فناسبت مقام قوم تكررت ذنوبهم وطال إصرارهم.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت الفاء في {فَقُلْتُ} فاء الإفصاح؛ إذ بعد أن عدّد وسائل الدعوة انتقل إلى مضمونها. وقد بدأ المضمون بالاستغفار لا بالإيمان صراحة؛ لأن الاستغفار في حق الكافر يتضمن الإقلاع عن الكفر ابتداءً، فهو مدخل لطيف للمقصود الأكبر. ثم انتظمت الآيات الثلاث (10 - 12) نظماً محكماً: أمر بالاستغفار، فتعليل بصفة الغفارية، فأربع ثمرات مترتبة عليه. وقد تقدم نظير هذا النسق في الآية الرابعة: {يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ}؛ فبين موضعي السورة تناظر يؤكد أن المغفرة أصل ينبني عليه صلاح الدارين.