وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا
وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا
ينتقل من بناء السماوات إلى ما زُيّنت به من النيّرين: {وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية السادسة عشرة من سورة نوح، أن المعنى: وجعل القمر في السماوات نوراً لأهل الأرض يستضيئون به، وجعل الشمس سراجاً يستنيرون بها في نهارهم. وأورد في قوله {فِيهِنَّ} أن العرب تجعل ما كان في إحداهن كأنه فيهن جميعاً؛ لأنهن كالشيء الواحد في الاتصال. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن القمر في السماء الدنيا، وأنه إنما قال {فِيهِنَّ} لأنه إذا كان في إحداهن صحّ الإخبار عنه بأنه فيهن على وجه المجموع. وبيّن القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، وجوهاً في ذلك: أن "في" بمعنى "مع"، أو أن ضوءه يبلغهن جميعاً، أو أن المراد بالجميع الواحدة على عادة العرب. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير هذه الآية، إلى دقة اختيار اللفظين: فالقمر وُصف بـ{نُورًا} والشمس بـ{سِرَاجًا}؛ لأن السراج يجمع الإضاءة والإحراق، والنور مجرد إضاءة لا حرارة معها.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية معطوفة على {خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ}؛ فبعد الإخبار عن بناء السقف جاء الإخبار عن مصابيحه. وقد قُدّم القمر على الشمس هنا مع أن الشمس أعظم؛ ووجهه أن السياق سياق مخاطبة قوم يعنيهم الليل والنهار في زرعهم ورعيهم، والقمر هو آية الليل الذي بدأ به نوح دعوته: {دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا}؛ فناسب تقديم آية الليل هنا. ثم إن هذه الآية آخر ما في السياق من آيات العلو، فبعدها تهبط الآيات إلى الأرض: {وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا}؛ فتمّ بذلك استيعاب المشهد الكوني من أعلاه إلى أسفله.