وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا ۖ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا
وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا ۖ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا
تُذكر نتيجة المكر ثم يُختم بدعوة: {وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا ۖ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الرابعة والعشرين من سورة نوح، أن في مرجع الضمير في {أَضَلُّوا} قولين: أنه عائد على الرؤساء الذين مكروا، أي أضلوا بمكرهم خلقاً كثيراً؛ وأنه عائد على الأصنام، أي أضلّت الأصنام كثيراً من الناس؛ ونُسب الإضلال إليها لأنها سببه، كقوله على لسان إبراهيم: {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ}. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن قوله {وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا} من كلام نوح عليه السلام دعاءً عليهم، بعد أن أعلمه الله أنه لن يؤمن من قومه إلا من قد آمن. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن المراد بالضلال هنا الخذلان وعدم التوفيق، وأنه دعاء بأن يُعاقَبوا على ضلالهم بمزيد ضلال. وأشار السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذه الآيات، إلى أن هذا الدعاء وقع بعد استنفاد وسائل الدعوة كلها وبعد إعلام الله له بيأس الحال منهم.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تمت بهذه الآية حلقات المقطع الثالث؛ فبعد ذكر المكر ومضمونه جاء ذكر أثره: إضلال الكثير. ثم انتقل الأسلوب من الإخبار إلى الدعاء؛ وهو انتقال يُشعر بأن باب المعالجة أُغلق وفُتح باب الحكم. ولاحظ أن هذا الدعاء مقدمة لما بعده مباشرة؛ إذ ذكرت الآية الخامسة والعشرون إنفاذ الحكم: {أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا}؛ فبين الدعاء واستجابته آية واحدة. ثم إن هذا الدعاء بالضلال هنا يقابله في خاتمة السورة الدعاء بالتبار: {وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا}؛ فالأول في حقهم الديني والثاني في وجودهم الحسي؛ فأحاط الدعاء بهم من الجهتين.