قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ
قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ
يشرع نوح عليه السلام في تنفيذ ما أُمر به فيبدأ بتعريف نفسه ومهمته: {قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثانية من سورة نوح، أن المعنى: إني لكم مُنذر أُبين لكم إنذاري ببيان جليّ لا لبس فيه، فأدلّكم على الحق دلالة واضحة. ونقل القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير هذه الآية، وجهين في {مُّبِينٌ}: أحدهما أنه من "أبان" اللازم بمعنى الظاهر البيّن الذي لا يخفى أمره؛ والثاني أنه من "أبان" المتعدي بمعنى المُظهِر المُوضِّح لما جاء به؛ وكلاهما صحيح المعنى. وذكر البغوي في "معالم التنزيل"، عند تفسير الآية، أن نداءهم بـ{يَا قَوْمِ} استمالة لهم وتذكير بالرحم والصلة، ليكون أدعى لإصغائهم. وأشار السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير أوائل سورة نوح، إلى أن النذير المبين هو الذي جمع بين وضوح ما يدعو إليه ووضوح دلائله وبراهينه، فلم يترك لأحد حجة في الإعراض.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): انتقل النظم من الإخبار عن الإرسال في الآية الأولى إلى حكاية الامتثال في الثانية؛ فبين الآيتين تلازم الأمر والتنفيذ. وقد بدأ نوح خطابه بالتعريف بنفسه قبل عرض المضمون، وهذه مقدمة لازمة في كل دعوة؛ إذ لا يُقبل قول حتى يُعرف قائله وصفته. ثم إن هذه الآية مهدت لما بعدها؛ فقوله {نَذِيرٌ} يستدعي السؤال: بم تنذر وإلامَ تدعو؟ فجاء الجواب في الآية الثالثة: {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ}. فترتب النظم على ثلاث خطوات: تكليف، فتعريف، فبيان مضمون.