قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا
قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا
بعد استيفاء الحجج تُعلن النتيجة صريحة: {قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الحادية والعشرين من سورة نوح، أن المعنى: قال نوح: يا رب إن قومي خالفوا أمري ولم يقبلوا نصحي، واتبعوا رؤساءهم وسادتهم الذين لم تزدهم كثرة أموالهم وأولادهم إلا هلاكاً وضلالاً. وروى عن ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد في {إِلَّا خَسَارًا}: إلا ضلالاً. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن السفلة اتبعوا الرؤساء الذين اغترّوا بأموالهم وأولادهم، وأن هذا شأن الأتباع في كل أمة: ينظرون إلى الدنيا في أيدي كبرائهم فيظنونها علامة على صواب طريقهم. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن إفراد {مَن} مع إرادة الجمع جائز؛ لأن "من" لفظها مفرد ومعناها يصلح للجمع، ولذلك أُعيد الضمير عليها مفرداً في {مَالُهُ وَوَلَدُهُ}. وأشار السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذه الآيات، إلى أن هذا بيان لسبب ضلالهم: تقليد من لا يستحق أن يُقلَّد، لمجرد ما عنده من حطام.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية مفتتح المقطع الثالث من السورة؛ فقد انتهى عرض الحجج والوسائل، وبدأ تقرير النتيجة وكشف أسبابها. وقد رُتّبت الشكوى ترتيباً تعليلياً: ذكر النتيجة أولاً ({عَصَوْنِي})، ثم السبب الأول وهو التقليد ({وَاتَّبَعُوا}) في هذه الآية، ثم السبب الثاني وهو مكر الكبراء في الآية بعدها، ثم مضمون ذلك المكر في الآية الثالثة والعشرين. فالنظم يتدرج من الظاهرة إلى علتها إلى تفصيل تلك العلة. ثم لاحظ التقابل مع الآية الثانية عشرة؛ فقد وُعدوا هناك بـ{بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ} في مقام الإنعام، وذُمّ هنا من لم يزده {مَالُهُ وَوَلَدُهُ} إلا خساراً؛ فالنعمة الواحدة تكون منحة أو محنة بحسب موقف صاحبها منها.