يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا
يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا
تأتي أولى ثمرات الاستغفار في صورة محسوسة يعرفها أهل الزرع والماشية: {يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الحادية عشرة من سورة نوح، أن المراد بالسماء المطر؛ لأن العرب تسمي المطر سماءً لنزوله منها، والمعنى: يرسل عليكم المطر متتابعاً غزيراً لا ينقطع. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن قومه كانوا قد أُمسك عنهم المطر وأُعقموا في نسائهم عقوبة لهم، فوعدهم نوح بأنهم إن استغفروا رُدّ عليهم ما مُنعوا. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن {مِّدْرَارًا} صيغة مبالغة على وزن "مِفعال"، وهي مما استوى فيه المذكر والمؤنث؛ ولذلك وُصفت به السماء وهي مؤنثة دون تاء. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير هذه الآية، إلى أن اختيار "المطر" أول الثمرات مناسب لحال قوم زراعيين تقوم حياتهم كلها على الغيث؛ فخوطبوا بأمسّ حاجاتهم.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جُزم هذا الفعل في جواب الأمر السابق؛ فارتبطت الثمرة بالشرط ارتباطاً لفظياً محكماً لا يحتاج إلى أداة. وهذه أولى أربع ثمرات تتوالى في هذه الآية والتي بعدها، وقد رُتّبت ترتيباً منطقياً بديعاً: المطر أولاً لأنه أصل الحياة، ثم الأموال والبنون لأنهما ثمرة الخصب، ثم الجنات والأنهار لأنهما غاية الرفاهية بعد الكفاية. فالنظم يتدرج من الضروري إلى الحاجي إلى التحسيني في أربع آيات قصار. ثم إن ذكر السماء هنا يمهّد لذكرها في الآية الخامسة عشرة: {سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا}؛ فالسماء منعِمة أولاً ثم دالّة على الخالق ثانياً.